مهنة المحاماة
تعتبر مهنة المحاماة من أشهر المهن وأكثرها حيوية في العالم، وواحدة من أفضل نماذج عمل المهن الحرة في مجال الاستشارات في القطاع الخاص، والتي أثبتت جدارتها في استيعاب وتوظيف العديد من المحامين السعوديين، والمساهمة في دفع عجلة التنمية وتخفيف العبء على القطاع الحكومي، والمحامون يعتبرون من أهم أعوان القضاء، فلهم دون غيرهم حق الترافع أمام المحاكم، وتقديم المساعدة القانونية لمن يطلبها لقاء أجر معين، وحيث ان القاعدة القانونية تلبي الحاجة القائمة، فإن الحصول على المعلومة القانونية المتخصصة أصبحت ضرورة حتمية لضمان سلامة الموقف القانوني للفرد والمنشأة قبل إجراء التصرفات والتعاقدات، وليس بعد وجود النزاعات القانونية.
وأهم عوامل النجاح في مهنة المحاماة شخصية المستشار نفسه لقوله تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، فالمستشار الذي يمكن الانسجام والتعامل معه والثقة به، وتتوافر فيه صفة التكامل الخلقي من الأمانة والاستقامة والشجاعة، ويمتلك القدرة المهنية، وأفضل مقياس لقدرة المستشار هو دقته في فهم المشكلة، وصحة أسلوبه في التعامل معها، وتتوافر فيه أيضا المسؤولية المهنية لإنجاز العمل، فلا يكفي وجود التكامل الخلقي والقدرة المهنية دون الحماس والرغبة للقيام بالمهمة ومتابعتها وإنهائها بنجاح، أما الأتعاب فتعتبر أقل أهمية بالنسبة إلى غيرها من العناصر وهناك عدة معايير يمكن استخدامها لتقدير أتعاب المستشار كالخبرة والوقت الذي يقضيه في المهمة وعدد الموظفين الذين يستخدمهم فيها ومعدل الأجر لكل حالة.
واعتقد أن كل من يمارس عملاً مهنياً يجب أن يكون عمله متفقا مع الأنظمة المرعية والأصول المهنية ومقتضيات العدل، بمعنى الربط بين العمل المادي وقيم الشريعة، وهذا المسلك تنفرد به الشريعة الإسلامية عن غيرها بسبب استقلالها بمصادرها وأصولها ونظرتها للحياة، والحذر من الظلم لقوله صلى الله عليه وسلم (من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع)، بمعنى ألا يترافع المحامي الا في القضية التي يعلم أن صاحبها محقا لقوله تعالى (ولا تكن للخائنين خصيما)، وهذا لا يتحقق إلا بزيادة المعرفة العلمية والممارسة المهنية، ويبقى بعد ذلك دور المحامي في دراسة قضيته وتقديمها بشكل جيد يعتمد على بناء حيثيات القضية لصالح موكله ويهدم أسانيد خصمه في الوقت نفسه.
ونخلص إلى أن مكاتب المحاماة والاستشارات القانونية، بصفتها جزءا من صناعة الاستشارات الوطنية، أثبتت أنها تمتلك الكثير من القدرات والكفاءات والشراكات الدولية ما يمكنها من التعامل مع الكثير من قضايا الاستثمار والتحكيم التجاري الذي تفضل الشركات الأجنبية ومتعددة الجنسيات اللجوء إليه رغبة في توفر عنصر السرعة والخبرة والسرية في حسم النزاع بدلا من القضاء العام، وبالجملة يعتبر إنشاء هيئة المحامين السعوديين وتطوير مهنة المحاماة بشكل عام، وتوطين صناعة الاستشارات وقصر أعمال العقود والاستشارات الحكومية على المنشآت القانونية الوطنية خيار استراتيجي واقتصادي واجتماعي تمليه احتياجات التنمية.
الإدارة القانونية
الإدارة القانونية تعتبر السند الأول وأمانة السر للإدارات العليا لكل جهة ومنشأة في القطاع العام والخاص، وهي الإدارة المعنية بتطبيق الأنظمة واللوائح والسياسات المتعلقة بتسيير الأعمال وتحقيق الأهداف وتعظيم المنافع وحماية الاستثمارات وتقليل المخاطر، والمساهمة في صناعة القرارات، وإعداد الوصف الوظيفي وتحديد المهام والمسؤوليات، والمشاركة في اللجان ومراجعة المحاضر التي يتطلب عملها ذلك، ودراسة المعاملات التي تتضمن مشكلات وتطبيق الأنظمة في المخالفات والتظلمات وإبداء الملاحظات القانونية.
ومن جهة أخرى تقوم الإدارة القانونية بتمثيل الجهة أو المنشأة أمام الجهات القضائية كافة في جميع القضايا التي تكون الجهة أو المنشأة طرفا فيها، وتحتفظ بسجلات لكل القضايا تتضمن حالة كل قضية وبياناتها والمستندات والوثائق والمراسلات واسم الممثل القانوني، وتعد الإدارة القانونية تقريراً دورياً عن جميع القضايا يشتمل على ملخص القضية وأطراف النزاع وأسبابه والطلبات والمحكمة المختصة وتوقعات المستشار القانوني، وتختص الإدارة القانونية بمتابعة مخالفات الموظفين وإجراء التحقيقات ومواجهة الموظف بها وتوقيع الجزاء النظامي.
وتختص الإدارة القانونية بتحديد الشكل القانوني المناسب للمنشأة ومتابعة إجراءات التأسيس ووضع الهيكل الإداري، ومراقبة القرارات المتعلقة بالمراكز القانونية للعاملين التي لا بد أن تكون نظامية منعا لما قد تثيره من منازعات بدلا من خسارة الوقت والجهد والمال في قضايا معروفة نتائجها سلفا، للحفاظ على سمعة المنشأة من تردد اسمها في ردهات المحاكم في قضايا خاسرة، وتقوم الإدارة القانونية بإعداد الصياغة القانونية لجميع اللوائح والسياسات الداخلية والقرارات اللائحية وقرارات التأديب ومذكرات التعاون والتفاهم والاتفاقيات والعقود سواء كانت عقود شراكة أو استثمار أو توريد أو تشغيل أو تنفيذ أو توظيف أو استشارات أو غيرها، وتعد الإدارة القانونية تقريرا دوريا عن العقود كافة يشتمل على نوع العقد وأطرافه ومدته والتزامات الطرفين، والمراجع والسياسات التي توجه صياغة العقد والملاحظات القانونية خاصة في مجال العقود الكبيرة والمناقصات ومراجعة الشروط الخاصة بالتعاقد وآلية حل المنازعات والقانون الواجب التطبيق وغير ذلك.
ونخلص إلى أن أهم دور تقوم به الإدارة القانونية هو تقليل المخاطرة وحماية الجهة أو المنشأة والاستثمار من خلال متابعة كل ما يستجد من الأنظمة واللوائح والسياسات والإجراءات التي قد تؤثر في أعمال الجهة أو المنشأة وحماية رأس مالها وحقوقها المادية والمعنوية، من خلال مراقبة القرارات القانونية وصياغة العقود ومراجعتها، ويمكن للإدارة القانونية الاستعانة بمستشارين خارجيين مختصين أو ممارسين في حالات معينةّ، ونعتقد أن الحصول على المشورة القانونية قبل البدء في اتخاذ القرارات وإجراء التصرفات والتعاقدات يعد ضرورة لحماية الحقوق وضمانة لسلامة الموقف القانوني للجهة والمنشأة، وليس بعد وقوع المخالفات والنزاعات القانونية.!
صناعة الاستشارات
تعد الاستشارة الوسيلة التي يهتدي بها الأفراد والمنشآت والحكومات، سواء على صعيد تنظيم العلاقات داخلها وسيطرتها على مواردها وإمكاناتها أو علاقاتها مع البيئة المحيطة بها، والاستشارة رسالة سامية نبيلة الأهداف، حث الإسلام على التناصح وأخذ المشورة من أهل العلم لقوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم”، ويحتاج المستشار إلى التسلح بمقومات الخلق الحسن والبحث العلمي والتطوير الذاتي، وفي مقدمة هذه الفضائل الأمانة والشجاعة في إبداء الرأي، والثقة بالنفس، والاستشارة في جوهرها نتاج لتفاعل متعدد المراحل لعلاقة اختيارية بين المستشار والعميل، وتكون الخدمة التي يقدمها المستشار موجهة لحل مشكلة قائمة أو مستقبلية، والحاجة إلى الاستشارة تكون قبل إجراء التصرفات والتعاقدات وليس بعد وجود الخسائر والمشكلات القانونية.
وتؤكد الكثير من الأبحاث في مجال الاستشارات أن أهم عوامل نجاح العملية الاستشارية تتلخص في اعتراف العميل بوجود المشكلة والمساعدة من جانبه بتزويد المستشار بالمعلومات والتقارير اللازمة لحلها، فالعميل الأمثل هو الذي يؤمن المعلومات والتقارير للمستشار حتى يتم إنجاز المهمة في زمن أسرع، بمعنى أن توفر الانسجام والثقة بين المستشار والعميل يشكلان عنصراً مهماً من عناصر نجاح العملية الاستشارية.
وتجمع معظم الدراسات على أن هنالك خمسة عناصر ناجحة ينبغي اعتمادها عند اختيار المستشار، يجمعها قوله تعالى “إن خير من استأجرت القوي الأمين”، وأول هذه العناصر التكامل الخلقي ويعنى به الأمانة، والاستقامة، والشجاعة، والصدق، والرغبة الحقيقية في إعطاء أفضل النتائج، بالإضافة إلى الفضول المهني الذي يحث على السؤال والاستقصاء لكشف الحقائق الغامضة، وكذلك المسؤولية المهنية والأدبية تجاه العميل لإنجاز العمل فلا يكفي توفر التكامل الخلقي من دون الحماس والرغبة الصادقة لدى المستشار للقيام بالمهمة ومتابعتها وإنهائها بنجاح، ومن أهم العناصر بعد التكامل والمسؤولية هي المقدرة في المستشار وتعرف بالتراكم المعرفي والخبرة والقدرة على سرعة التعلم وإدراك احتياجات العميل، وأن يكون خلاقاً مبدعاً يستطيع الخروج بتوصيات ملائمة، وأفضل مقياس لمقدرة المستشار دقته في فهم المشكلة وصحة أسلوبه في التعامل معها.
وتعد شخصية المستشار من أهم العوامل التي ينظر إليها عند اختياره، فاختيار المستشار الذي يمكن الانسجام والتعامل معه يحسن من نتائج العملية الاستشارية، أما الأتعاب فتعد أقل أهمية بالنسبة إلى غيرها من العناصر عند اختيار المستشارين، وهناك عدة معايير يمكن استخدامها لتقدير أتعاب المستشار كالخبرة، وجودة الخدمة، والوقت الذي يقضيه في المهمة، وعدد الموظفين الذين يستخدمهم فيها، ومعدل الأجر لكل حالة.
ونخلص إلى أن صناعة الاستشارات علم ومجال متعدد الجوانب وعنصر ومكون أساسي من مكونات التنمية، وهذا يضع الجامعات وغيرها من الجهات ذات العلاقة أمام مسؤولياتها في إعداد وتأهيل العناصر الوطنية القادرة على تقديم خدمات الاستشارات ذات الأغراض المتخصصة والمختلفة، وتوطين صناعة الاستشارات كخيار استراتيجي وطني تمليه احتياجات التنمية.
عقد العمل المرن
يختلف عقد العمل المرن عن بقية عقود العمل التقليدية سواء محددة المدة أو غيرها، أو التي يتفق فيها على عمل ينتهي بتنفيذه، أو العمل لبعض الوقت وغير ذلك، فهذه العقود محددة بأوقات عمل معينة ومنتظمة والأجر يكون شهرياً غالباً أو عند انتهائه، ولها من الحقوق والالتزامات المتبادلة التي تختلف بحسب نوعها، بعكس عقود العمل المرنة التي تعطي طرفي العقد مرونة في التعاقد ويكون الأجر على أساس الساعة باعتبارها أقل وحدة للأجور ويصرف فيها الأجر بشكل أسبوعي كحد أقصى، وهذا النظام يمنح الموظف الحرية في تحديد طريقة أدائه لمهامه الوظيفية وتنسيق جداول أعماله بما يتناسب مع ظروفه الخاصة وطبيعة العمل بموافقة صاحب العمل الذي يحدد ساعات العمل اليومية.
ويتميز عقد العمل المرن بأنه خاص بالمواطنين ويكون مكتوبا ولا تقل مدته المحددة عن أسبوع ويحتسب الأجر فيه بالساعة، وتحدد فيه الأوقات التي يحضر فيها العامل لأداء العمل، ويجوز تعديل أوقات العمل بموافقة الطرفين، وتخضع عقود العمل المرن لنظام التأمينات الاجتماعية، ويتم احتساب العامل بنظام العمل المرن في نطاقات بنصف في نسبة التوطين، بشرط أن يعمل الموظف 80 ساعة شهريا، ولا يزيد تشغيل العامل بعقد العمل المرن على 24 ساعة أسبوعيا، ولا يحق للموظف في نفس المنشأة أن يتحول إلى عقد العمل المرن إلا بعد مضي عام في عمله، ولا يخضع العامل لفترة تجربة، وتختص المحاكم العمالية بنظر الخلافات التي قد تنشأ بين الطرفين.
وتتعدد صور عقود العمل المرنة نتيجة طبيعة العمل وظروف العامل وموافقة صاحب العمل، بحيث يحق للعامل تخفيض ساعات العمل إذا كانت طبيعة العمل تسمح بذلك، أو العمل ضمن ساعات حرة يكون للعامل فيها الحق بعد موافقة صاحب العمل في توزيع ساعات العمل اليومية بشكل يتواءم مع احتياجات العمل، أو تحديد أسبوع العمل المكثف ويكون فيه للعامل بعد موافقة صاحب العمل توزيع ساعات العمل الأسبوعية على عدد أقل من الأيام المعتادة بالمنشأة على أن لا تتجاوز الحد الأقصى لساعات العمل يوميا، أو السنة المرنة حيث يحق للعامل بعد موافقة صاحب العمل توزيع أيام العمل السنوي على أشهر محددة من السنة على أن لا تتجاوز أحكام النظام، أو العمل عن بعد ويتم إنجاز العمل دون الحاجة للتواجد بمقر العمل، لذا فإن المعيار في تطبيق عقد العمل المرن هو ظروف العامل وطبيعة العمل وموافقة صاحبه وعدم معارضة النظام.
ولا شك أن الأنظمة العمالية تأخذ في اعتبارها أن صاحب العمل يكون ملزما بتوفير الحماية الممنوحة للعاملين طوال الوقت، من حيث إجراءات السلامة المهنية وإصابات العمل للعاملين المرتبطين بعقود العمل المرنة، لأنها تتعلق بالحماية من الأخطار المهنية، ولا يلزم صاحب العمل بتعويض العامل عن الإجازات المدفوعة الأجر لمخالفتها مقتضى عقد العمل المرن، وكذلك لا يلزم صاحب العمل بالتأمين الطبي على العامل، مع عدم أحقية العامل بمكافأة نهاية الخدمة مهما كان سبب الإنهاء، ويحق للعامل قبول العمل في الأعياد والعطل الرسمية والأسبوعية بزيادة 50 % من أجر الساعة، ونعتقد أن استحقاق التعويض عن بدل الإجازة على أساس النسبة المئوية من ساعات العمل التي ينجزها أو الحصول على غيرها من المميزات الوظيفية قد يترك لتقدير صاحب العمل بحسب طبيعة عمله.
ونخلص إلى أنه إذا كانت القاعدة القانونية تلبي الحاجة القائمة فإن تنظيم عقود العمل المرنة والتي تطبق في الكثير من الدول من خلال ما يعرف بالتوظيف بنظام الساعات قد يساعد في معالجة الفراغات القانونية في سوق العمل ويضيف نوعا من المرونة في التعاقد ويراعي الظروف الإنسانية والصحية والمالية لبعض فئات المجتمع، ويشجع في الوقت نفسه ثقافة العمل وتحسين المهارات واكتساب الخبرات ويعزز الابتكار والاجتهاد الفردي، ويحقق نوعا من التوازن بين حياة الموظف وعمله، وبالجملة نعتقد أن عقود العمل المرنة قد تساهم في تخفيض التكاليف على بعض المنشآت، لكنها في المقابل ستمنح فرصا ثمينة للباحثين عن عمل وتزيد من مستوى جودة الأداء ليصبحوا موظفين دائمين، أو أصحاب أعمال ناجحين!

